تركيا والعالم العربي

د. خليفة الشاطر

تدخل في سوريا وتشجيع الانتفاضة، إعانة حكومة السراج في طرابلس لقلب ميزان القوى في الحرب الأهلية، معاداة النظام المصري الذ ي أبعد الإخوان المسلمين من الحكم، هل نستطيع تفسير السياسة التركية بالحنين إلى الماضي العثماني؟ هل أن غاية هذه السياسة دعم حركات الإسلام السياسي تجاوزا لإيديولوجية مصطفي كمال التحديثية؟  أم هل إنها تستغل البعد الإسلامي لتبرير الاستراتيجية العثمانية وإرث الخلافة؟

أطوار الحكم التركي:

كانت الدولة التركية تسيطر على العالم العربي مشرقه ومغربه باستثناء المملكة المغربية كانت تحكم المشرق العربي بصفة مباشرة. كان لتونس وضع خاص إذا كان الحسينيون يتمتعون بحرية تصرف فعلية وعرفت ليبيا وضعية مماثلة قبل أن تنهي تركيا حكم القرمنليين بينما برز على الساحة حكم محمد علي في مصر أثناء القرن التاسع عشر.

بدأ التقهقر التركي منذ القرن الثامن عشر وسميت تركيا "الرجل المريض"في أوروبا وكانت مهددة بالتقسيم ولم تنج منذ هذه المحنة إلا بفضل اختلاف المواقف الأوروبية إذ دافعت انقلترا على بقاء الدولة التركية كي لا تتمكن روسيا بفصل التقسيم دخول البحر المتوسط.

شاركت تركيا مع ألمانيا والنمسا في الحرب العالمية الأولى فتم أثر انهزام بلاد المحور تقسيم الامبراطورية العثمانية الذي تخلت عن بلاد المشرق العربي ولكنها تستعيد قوتها بعد انتصاب مصطفى كمال سنة 1920 والاقدام على ثورته التحديثية (1923 - 1938) وإنهاء نظام الخلافة وتمكنت تركيا من الدخول إلى منطقة الحلف الأطلسي سنة 1961 ولكن أوروبا مازالت تعطل دراسة طلب دخولها إلى المنظمة الأوروبية.

التدخل التركي في سوريا:

تدخلت تركيا في شؤون سوريا بدعوى المشاركة في محاربة نظام الاستبداد ودفع الديمقراطية ثم إنها وضعت خطة "مصدر السلم" بدعوى محاربة التوسع الكردي وأقدمت على الهجوم على شمال شرق سوريا انطلاقا من حدودها يوم 9 أكتوبر.

ندّد اجتماع وزراء خارجية العرب بهذا الاعتداء (اجتماع الجامعة، القاهرة 12 أكتوبر) وأعرب على تضامنه مع البلد الشقيق ولكن الدولة التركية واصلت هجومها واحتلال على الجهة الحدودية الشرقية.

تدخلت الولايات المتحدة وفرضت هدنة على تركيا مدة 5 أيام يوم 17 أكتوبر ثم دعت روسيا الرئيس التركي الذي اجتمع بوزير خارجيتها (سوتش، 23 أكتوبر) وتم الاتفاق على إيقاف الهجوم ومشاركة جند روسي وبعض قادة الغابة السوريين لصد هجوم الأكراد تعلة التدخل.

الاتفاق بين تركيا وحكومة السراج

إمضاء اتفاقية بين تركيا وحكومة فائز السراج "للتعاون العسكري والأمني" إثر لقاء اسطنبول بين رجب طيب أردغان و السراج أثار الحيرة. هذه الاتفاقية تدعم حكومة طرابلس التي تعتمد على الحركة الإسلامية وينشط السياسة التركية في بلاد المغرب العربي.

كما إنه يسمح بتوسيع المجال البحري التركي مما يمنع اتفاق مصر وقبرص في هذا المجال. أثارت هذه الاتفاقية غضب اليونان ومصر. أطردت اليونان سفيرة تركيا في اليونان واثار الاتفاق معارضة المنظمة الأوروبية التي طالبت من تركيا توضيح عناصر الاتفاق وقد أثارت هذه الاتفاقية غضب مصر نظرا لمعارضة حكومة أردغان للنظام المصري الذي أبعد الإخوان المسلمين من الحكم وأصبحت مصر تخشى انتصاب قواعد عسكرية تركية في جوارها كما أن هذه الاتفاقية تؤسس الحرب الباردة في هذا المجال.

الخلاصة:

إن التحد التركي أو ربما الحنين إلى ماضي الخلافة وما يتطلبه من تبعية عربية قد تجاوزته إيديولوجية التجمع العربي الراسخة في الأذهان. لم تتمكن من التقدم نحو الوحدة والمصير المشترك ولكن التضامن العربي مازال سائدا ولن يسمح بإرساء أي تجمع بديل وعلى كل فإن الدول العربية قد تمضي اتفاق تعاون أو تشارك ولكنها أصبحت بعد تحررها من الاستعمار الأوروبي تدافع عن استقلالها رافضة كل سياسة هيمنة أو مجرد تدخل أجنبي في شؤونها.


Imprimer   Email